خارج الصندوقسياسيات متناقضةنبض الساعةهيدلاينز

مظاهرة الجامع الأموي بين الغضب المصري والتناقض السوري

خاص – نبض الشام

لم تكن المظاهرة التي خرجت أمام الجامع الأموي في دمشق حدثاً عابراً؛ فالهتافات المسيئة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سرعان ما تحولت إلى قضية إقليمية أشعلت الغضب الشعبي والإعلامي في مصر. ورغم أن هذا التحرك لا يعبر عن مجمل الشعب السوري، فإن المصريين اعتبروه إهانة غير مبررة لـ “أم الدنيا”، التي استقبلت مئات آلاف السوريين بكرم واحتضان على مدار أكثر من عقد.

تظاهرة أمام رمز تاريخي
المكان لم يكن عادياً، فالمظاهرة تمت أمام الجامع الأموي، أحد أهم الرموز الدينية والتاريخية في دمشق. هتافات المشاركين لم تقتصر على دعم غزة وانتقاد الاحتلال الإسرائيلي، بل انزلقت إلى إساءات مباشرة ضد مصر. الأمر أثار تساؤلات في القاهرة: هل يمكن أن تخرج مظاهرة في هذا الموقع الرمزي من دون ترخيص أو ضوء أخضر رسمي؟

الغضب في الإعلام المصري
الإعلام المصري لم يمرر الحادثة مرور الكرام. المذيع أحمد موسى اعتبر ما جرى إهانة للشعب المصري، وطالب بفتح ملف اللاجئين السوريين ومراجعة وجودهم في مصر. الإعلامية المخضرمة لميس الحديدي وصفت التظاهرة بأنها “واقعة مزعجة” وشرحت أن ما جرى يعكس ازدواجية صارخة في المعايير.

وقالت الحديدي: “اتظاهر مع غزة ضد إسرائيل وضد محتل الجولان وجبل الشيخ ومن قصف وزارة الدفاع في قلب دمشق، هذا هو العدو وليس مصر… «لكن من الواضح أن إسرائيل ليست عدوًا لانك بتعمل معاها إتفاق أمني والعلم الاسرائيلي مرفوع في السويداء الدنيا لطيفة هذا قرار سوري وأنتم أحرار فيه» وختمت بالقول: لكن إنك تسيب كل ده وتهاجم مصر التي تقف شوكة في حلق التهجير، فهذا موضوع سخيف وتشتيت للفكرة عن الوضع الداخلي في بلادكم لدولة أخرى تقوم بدورها روحوا إنتوا بقى قوموا بدوركم”.

البرلماني مصطفى بكري بدوره اعتبر أن ما حدث تحريض مباشر، مذكّراً السوريين بأن الأولى بهم أن يثوروا ضد الاحتلال الإسرائيلي للجولان بدلاً من الإساءة لمصر. أما نشأت الديهي فدعا علناً إلى ترحيل السوريين من مصر، معتبراً أن ما جرى خيانة لجميل احتضانهم منذ عام 2011.

بيان الخارجية السورية
بعد الجدل والبيانات الشعبية المصرية، تحركت وزارة الخارجية السورية لامتصاص الموقف، فأصدرت بياناً أكدت فيه أن ما جرى مجرد تصرفات فردية لا تمثل الشعب السوري، مجددة التقدير الكبير لمصر قيادةً وشعباً. وشددت على رفض أي محاولة لاستغلال الحادثة لتعكير العلاقات بين البلدين، مؤكدة أن ما يجمع القاهرة ودمشق أعمق من أن تهزه هتافات عابرة.

بين اللوم والتقدير
الغضب الشعبي في مصر لم يكن فقط من مضمون الهتافات، بل من فكرة أن السوريين سمحوا بحدوثها. كثيرون رأوا أن الصمت تجاهها يُعد قبولاً ضمنياً، وأن الإساءة لمصر تمثل نكراناً للجميل. في الوقت نفسه، شدد آخرون على أن التعميم غير عادل، وأن تحميل الجالية بأكملها خطأ مجموعة صغيرة فيه ظلم كبير، خاصة وأن السوريين اندمجوا في مصر وأصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي.

قراءة سياسية أوسع
الحدث جاء في لحظة إقليمية متوترة: حرب غزة، تصاعد الجبهات في لبنان وسوريا، واستمرار التحديات الأمنية. من هنا اكتسبت المظاهرة الصغيرة حجماً أكبر من حجمها الطبيعي. الرمزية الدينية للجامع الأموي، وتوقيت الأزمة، جعلاها وقوداً لإحياء ملفات قديمة، مثل ملف اللاجئين السوريين في مصر أو النقاش حول الموقف السوري من إسرائيل.

ما جرى في دمشق كان تصرفاً محدوداً لكنه كاد أن يترك شرخاً كبيراً في العلاقات الشعبية بين مصر وسوريا. بيان الخارجية السورية حاول احتواء الأزمة، لكن الغضب المصري كان واضحاً وصريحاً، خاصة حين عبّر عنه الإعلاميون بلغة حادة. الدرس الأهم أن البوصلة يجب أن تبقى موجهة نحو العدو الحقيقي، لا نحو مصر التي لم تكن إلا سنداً وداعماً. مصر تستحق التقدير لا الإساءة، والسوريون والمصريون مدعوون معاً للحفاظ على روابط تاريخية لا يجب أن تضعفها هتافات عابرة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى